ملاحظات حول كتاب "ماذا علمتنى الحياة؟" للدكتور جلال أمين

تاريخ النشر : 2010 ,January 30
التصنيف : آراء و إنطباعات و أمور شخصية | قراءات | 6 Comments

أنا عاشق لقراءة السير الذاتية (قصص حياة المشاهير التى غالبا ما يكتبونها بأنفسهم)، وليس هناك متعة تعادل عندى متعة قراءة السيرة الذاتية لشخصية معروفة. وقد بدأت أهتم بقراءة السير الذاتية للمشاهير منذ فترة طويلة. وكنت أسجل فى ورقة، أسم كل سيرة ذاتية أقرأ عنها، أو أعرف أنها موجودة، ثم أظل أبحث عنها، وأشتريها إذا كانت متوفرة فى مكتبات بيع الكتب بسعر مناسب، أو أستعيرها من المكتبة العامة لأقرأها إذا لم أستطع شراؤها.

وعلى الرغم من أن هناك آلاف السير الذاتية التى صدرت و تصدر لمشاهير و أعلام فى كافة المجالات، إلا أن القليل منها فقط هو الذى يؤثر بشدة فى القارئ، و يظل عالقا بذهنه، ويغير من طريقة تفكيره، ومن نظرته للأمور. وأحيانا ما تساعد السير الذاتية قارئها على أن يستشرف مستقبله، ويرسم معالم واضحة له.

غلاف كتاب ماذا علمتنى الحياة للدكتور جلال أمينآخر سيرة ذاتية قرأتها، هى السيرة الذاتية للدكتور جلال أمين، أستاذ الإقتصاد والكاتب والمفكر المصرى، وأبن الكاتب والباحث و المفكر العظيم الراحل أحمد أمين. وقد أختار الدكتور جلال أمين لسيرته الذاتية عنوان “ماذا علمتنى الجياة؟”. وقد أعجبتنى بشدة، وأعتبرها من أفضل السير الذاتية التى قرأتها. وقد صدرت عن دار الشروق، فى (6) طبعات حتى الآن (يناير 2010)، كان أولها فى مايو 2007، و تقع فى حوالى 400 صفحة. ولم أشتري الكتاب بالمناسبة، وإنما استعرته من المكتبة العامة.

وقد قسم الدكتور جلال أمين سيرته الذاتية إلى (19) قسم، و أعطى لكل قسم منهم عنوان يعبر عنه وعن المرحلة التى سيتحدث فيه عنها من حياته. وعناوين هذه الأقسام هى: (ولادة متعسرة – أبى وأمى – مذكرات أبى عن أمى – البيت – الإخوة السبعة – أصدقاء الصبا – مباهج الصبا – الجامعة – البعث – البعثة – ثورة يوليو – عين شمس – الكويت – لوس أنجلوس – الجامعة الأمريكية – ماذا حدث للمصريين؟ – التراثيون الجدد – المرض و الشيخوخة – البدايات و النهايات).

والأقسام التى أعجبتنى بشدة، وأحببتها أكثر من غيرها هى: (ولادة متعسرة – أبى وأمى – مذكرات أبى عن أمى – البيت – الأخوة السبعة – أصدقاء الصبا – مباهج الصبا – المرض و الشيخوخة – البدايات والنهايات)، ولا يعنى ذلك أن الأقسام الأخرى لم تعجبنى، بل أعجبتنى، ولكنى أستمتعت أكثر بقراءة الأقسام التى ذكرتها.

وفى مقدمة الكتاب فقرتين لفتتا إنتباهى، يتحدث الدكتور جلال فى الأولى عن إكتشافة المتأخر لمدى روعة السيرة الذاتية لأبيه أحمد أمين “حياتى”، وسخافة رده على أبيه عندما كان يسأله عن رأيه فيها وهو يكتبها. يقول د.جلال أمين: “كانت دهشتى كبيرة بوجه خاص من أنى لم أكتشف من قبل روعة كتاب أبى “حياتى”، و أنى كنت سخيفا غاية السخافة وأنا فى الخامسة عشر من عمرى،عندما كان أبى يملى على بعض فصول هذا الكتاب بسبب ضعف بصره واعتماده على الإملاء بدلا من الكتابة بيده، فقد كانت إجابتى عندما سألنى عن رأيى فيما أملاه على أنى أفضل عليه كتاب “الأيام” لطه حسين! إجابة مراهق سخيف يريد فقط أن يتحدى اباه!”.

أما الفقرة الثانية فيتحدث فيها د.جلال أمين عن لجوء بعض كتاب السيرة الذاتية لإستخدام ضمير الغائب عند الكتابة  والحديث عن أنفسهم داخل الأحداث. و الحقيقة أننى لم أستسغ أبدا سيرة ذاتية مكتوبة بهذه الطريقة، و كنت أفضل دوما السيرة الذاتية المكتوبة بضمير المتكلم، و جاء د.جلال أمين ليؤكد لى أننى على حق، وأننى لست الوحيد فى ذلك حين يقول: “وجدت بعض كتاب السيرة الذاتية يفضلون الإشارة إلى أنفسهم بصيغة الغائب، فبدلا من أن يكتبوا قلت وفعلت، يقولون قال صاحبنا أو قال الفتى كذا أو فعل كذا. ولم أستسغ هذه الصيغة قط فى القراءة، فلم يخطر ببالى فط أن أستخدمها فى الكتابة. وإذا كان البعض يرى فى هذه الصيياغة تواضعا فإنى أرى فيها عكس ذلك، بل إنها تمكن الكاتب من كيل الثناء على نفسه، ونسبة الفضل إليها بأكثر مما تمكنه الإشارة المباشرة إلى نفسه دون إلتواء”.

ويتحدث الدكتور جلال أمين فى القسم الأول الذى عنوانه “ولادة متعسرة” عن الأحداث التى سبقت ولادته، و إرتبطت بحمل أمه فيه. فأبيه أحمد أمين لم يكن يريد من الأبناء سوى أثنين أو ثلاثة على الأكثر، ولكن أنتهى به المطاف إلى أن أصبح أبا لعشرة أبناء، مات منهم أثنان فى المهد، وبقى منهم ثمانية، كان أصغرهم د.جلال أمين. و عندما كانت الأم حاملا فيه، أراد الأب أن يجبرها على الإجهاض، و حاول معها كثيرا، أحيانا بالترغيب وأحيانا بالترهيب، ولكنه فى كل مره كان يفشل فى إقناعها أو إجبارها على الإجهاض. فكانت مره تهرب إلى بيت أخيها، و مره إلى بيت أختها، و مره تطاوعه وتذهب معه للطبيب الإيطالى الذى حجز لديه ليجرى لها العملية، ثم تغافله وتتركه فى الطريق وترجع، ثم أخيرا عندما ذهبت معه للطبيب وبدأ فى الكشف عليها، ثارت وأنفجرت ودفعت الطبيب بقدميها بكل قوتها و هى تصيح: “روح ياشيخ، هوه أنا حبلى فى الحرام؟”، وعادت إلى البيت منتصرة، وأنهزم الأب، و لم يحاول معها مرة أخرى.

وفى القسم الثانى من الكتاب، الذى عنوانه “أبى وأمى”، يذكر د.جلال أمين أن أبيه ذهب بمفرده، بعد أن عقد قرانه على أمه، إلى إستوديو تصوير، ليلتقط له المصور صورة بهذه المناسبة، صورة له وحده.. لا تظهر فيها العروسة. وبدلا من أن يستند إلى عروسه، إستند بيده إلى بضعة كتب، وكتب خلف الصورة يقول: “.. أرجو من الله أن يوفقنى إلى عمل أنفع به أمتى”.

ويقول د.جلال أمين عن أبيه أحمد أمين أنه كان “رجلا قليل الكلام، قليل المرح، يأخذ الحياة مأخذ الجد، ولا يجد متعة حقيقية إلا فى القراءة والكتابة. والزواج فى نظره لا يستلزم الحب، بل هو لمجرد تكوين أسرة وإكمال الدين”. وكان يتمتع بحس أخلاقى بالغ القوه، فهو يمكن أن “يستقيل من وظيفة رفيعة لدى أى إعتداء طفيف على كرامته، ويقف ضد السلطة إذا رآها ظالمة، ويرفض منصبا خطيرا إذا أعتقد أنه ليس أهلا له، ولا يرقى موظفا لأنه يحبه ولكن لأنه أجدر من غيره بالترقية.. إلخ ”. و كان “قليل الأحتفال بأية صورة من صور التأنق، وزاهدا تماما فى أى محاولة لمجاراة الآخرين فى رفاهية العيش”.

ويقول د.جلال أمين عن أمه أنها كانت “أخف ظلا وألطف معشرا” من أبيه، ”ولكنها بلا شك كانت أكثر مكرا وأشد دهاء”، وهى “لم تكن بخيلة بخلا منفرا، ولكنها كانت بلاشك حريصة على المال حرصا واضحا”. كانت تخشى أن يأتى يوم يتنكر لها فيه زوجها، فسيطرت عليها فكرة أن يكون لها مال خاص، لتشترى به منزلا بإسمها، يدر عليها دخلا، يغنيها عن زوجها إذا حدث و تنكر لها.

وبدأت -منذ تزوجت من أبيه- تقتطع من مصروف البيت الذى يعطيه لها، وتجمع القرش بعد القرش، وتدخره فى دفتر توفير بإسمها فى مكتب البريد. وبالرغم من معرفة أبيه أحمد أمين بما يحدث بالضبط، إلا أنه كان يغض البصر عنه، و كان يعطيها دائما كل ما تطلبه دون نقاش،فقد كان لا يهتم كثيرا بالمال، ولا يلتفت للأمور المادية. و نتيجة ذلك أصبحت تملك -بعد عدة سنوات- حوالى(400) جنيه. وفاجأته ذات يوم بذلك، وقالت له أنها تريد أن تشترى منه نصف البيت الذى يعيشون فيه، فوافق دون مناقشة، وتم البيع،ثم أصرت على أن يتم تسجيل ذلك رسميا، فوافق أيضا ونفذ لها ما أرادت.

ثم عادت بعد بضع سنوات أخرى، وفاجأته مرة أخرى بأنها إدخرت بضع مئات أخرى من الجنيهات، و أنها تريد أن تشترى منه نصف البيت الآخر، فوافق أبوه على ذلك أيضا، بالرغم من تفاهة المبلغ الذى كان معها، مقارنة بقيمة البيت الحقيقية، فقد كانوا يعيشون فى فيلا كبيرة من دورين فى حى “الدقى” الراقى. وأمتلكت الأم البيت بأقل من (1000) جنيه.

ويقول د. جلال أمين أنه بعد مرور بضع سنوات، “إذا بأمى تقول لأبى ضاحكة إنه يسكن فى بيتها دون أن يدفع لها إيجارا، ثم تتحول النكتة إلى جد، فيقبل ابى أن يعطيها عشرين جنيها فى الشهر إيجارا للبيت الذى نسكنه. ولم تقنع أمى بهذا بل ظلت كل بضع سنوات تتندر بتفاهة هذا الإيجار، معددة مزايا المنزل ومشيرة إلى جماله وجمال حديقته، بما فيها من أشجار الجوافة وشجرة المانجو، فإذا بها تطلب كل بضع سنوات زيادة الإيجار ويقبل أبى عن طيب خاطر ما تطلبه”.

و فى موضع آخر من نفس هذا القسم الذى يتحدث فيه عن أبيه وأمه، يقول د.جلال أمين: “ظلت  والدتى طول حياتها لا تستطيع أن تصدق أن زوجها لم ينادها باسمها مرة واحدة، بل كان إذا أراد أن يلفت نظرها إلى شئ صاح “يا ولد”  فتفهم أنها هى المقصودة. وكانت تتندر بذلك أحيانا إذا أحست منه ببعض الرضا، فتسأله عما إذا كان من المحتمل أن يأتى اليوم الذى تترقى فيه فيخاطبها على الأقل بـ”يا بنت!”، إذا كان مصرا على رفضه أن يناديها باسمها. كان أقصى ما يستطيع، إذا شعر نحوها بمنتهى الرضا أن يناديها بـ “أم حمادة”، مستخدما أسم التدليل لأكبر أبنائهما، ولكن كان هذا أمرا نادرا للغاية لا أذكر أنى سمعه منه أكثر من مرتين أو ثلاث طول حياتى ”.

وفى القسم قبل الأخير الذى عنوانه “المرض و الشيخوخة”، يقول د.جلال أمين أننا جميعا نغالط أنفسنا، عندما تتقدم بنا السن و تظهر علينا أعراض الشيخوخة و أمراضها، و نرفض أن نعترف بها، لأن بداخل كل واحد فينا شعور غريب وغير عقلانى بالمره، بأن الشيخوخة لن تصيبنا، ونظل نقول لأنفسنا، كلما شعرنا بأعراض الشيخوخة،”أنها أعراض مؤقتة لا تلبث أن تزول، مع أن أى عاقل لابد أن يعترف بأن هذه الأعراض جاءت لتبقى أو لتتحول إلى ماهو أسوأ منها”.

ويقول الدكتور جلال أمين أنه لاحظ أن سلوكنا يتأثر كثيرا بالرغبة فى الحصول على إعجاب الجنس الآخر، وقد أدرك ذلك بوضوح أكبر بعد أن بلغ سن الشيخوخة، ووجد أن حماسه لكثير من الأمور قد أصابه بعض الفتور، بعد أن ضعفت رغبته فى إثارة إعجاب النساء. فهو لم يعد يهتم كما كان يهتم فى الماضى، بإختيار الملابس، و إنتقاء الحديث، و التفنن فى إظهار قدراته فى أحسن صورة.

يواصل د.جلال أمين حديثه عن الشيخوخة فيقول: ”مع الشيخوخة لا تضعف فقط رغباتك فىما يمكن أن يحققه الناس و تحققه الحياة لك، و لكن تضعف أيضا، ويا للأسف، رغبات الناس فيما يمكن أن تحققه أنت لهم”. “لابد إذن أن تجد عدد المرات التى يرن فيها جرس التليفون فى بيتك  قد أصبح أقل بكثير مما كان، و كذلك عدد الخطابات التى تأتيك فى البريد. إنى لم أقطع بعد شوطا بعيدا فى هذا المنحدر، و لكنى أراه أمامى  بكل وضوح، خاصة وأنى لا أزال أذكر ببعض الحزن، ماكان يظهر على وجه أبى فى شيخوخته، من خيبة الأمل عندما كان يدق جرس التليفون فجأة و هو جالس دون إنشغال حقيقى بأى عمل محدد، فيعتريه الأمل فى أن يكون المتكلم صديقا له أو حتى شخصا لا يعرفه يحاول أن يحصل على وساطته للحصول على وظيفة أو بعثة أو ترقية، ثم تصيبه خيبة الأمل عندما يكتشف أن المكالمة لأبن من أبنائه ”.

ويقول د.جلال أمين أنه أصبح لا يخشى الموت الآن و هو فى مرحلة الشيخوخة بقدر ما كان يخشاه قبل عشر أو عشرين سنة، ربما لأنه ينظر حوله فيجد أقرانه ومعارفة يتساقطون واحدا وراء الآخر، فيجد أن الفكرة باتت أقرب إلى التصور وأقل ثقلا على النفس، “أو ربما كان السبب أن ضعف الحماسة لتحقيق مختلف الرغبات يجعل الحرمان التام من تلبية هذ الرغبات أخف على النفس ويزيد من قدرة المرء على إحتماله”.

يذكر الدكتور جلال أمين موقفا حدث  مع أبيه، الكاتب و المفكر الكبير الراحل أحمد أمين، عندما تقدمت به السن، و زادت عليه أعراض الشيخوخة، و زاد معها ضعف بصره، لدرجة أصبح معها يكاد لا يرى، يقول د.جلال عن أبيه: “كان يحاول أن يكتب شيكا لمستأجر الأرض الزراعية التى يملكها، بيد مرتعشة، فعندما فرغ بصعوبة من كتابة الأسم والمبلغ، وجاء وقت التوقيع، وجد صعوبة بالغة فى أن يكتب اسمه هو بالطريقة التى تعودها و التى يمكن أن يقبلها البنك، فلما اضطر غلى تمزيق الشيك و كتابة غيره، وواجه نفس الصعوبة فوجئنا بانفجاره بالبكاء، إذ وجد أنه لم يعد قادرا على القيام بهذا العمل البسيط جدا، والمهم جدا مع ذلك، و الذى طالما  قام به دون عناء ”.

ويقول د.جلال أمين أن الإنسان منا يمكن أن يهمل فى صحته، وتزيد أمراضه، ولا يكترث كثيرا بالحياة، إذا وجد أنه لم يعد له دورا فيها. ويتحدث عن أمه ويقول أنها، فى سنواتها الأخيرة، أصبحت تهمل كثيرا فى صحتها، ولا تلتزم بتعليمات الأطباء، ربما بسبب شعورها بأنها لم يعد لها دور فى الحياة. خصوصا بعد أن توفى أبوه الذى كانت تسهر على العناية به و خدمته، و تزوج بعض إخوته، وسافر للعمل أو للدراسة بالخارج البعض الآخر، فأصبحت لا ترى وظيفة لها يمكن أن تؤديها فى الحياة.

ويعود د.جلال أمين ليقول عن نفسه و هو فى مرحلة الشيخوخة: “فجأة كثرت الأشياء  التى أصبحت أعتبرها غير جديرة بالاكتراث أو غير مهمة. ما أكثر الأشياء التى كنت اعتبرها مهمة بل وضرورية فى يوم ما فلم أعد أعتبرها كذلك”. و “لاحظت أيضا تغيرا فى مشاعرى إزاء موافق العزاء. فقد كان من أثقل الأمور على نفسى منذ عشرين أو ثلاثين عاما، الذهاب إلى سرادق للعزاء، و أحاول تجنبه بقدر الإمكان، فلا أذهب إلا عندما لا يكون ثمة مفر من ذلك. ولكنى الآن أجد  فى الجلوس فى سرادق العزاء والاستماع إلى القرآن من قارئ يجيد التلاوة، باعثا للراحة النفسية والسكينة، و مناسبة للتفكير من جديد، دون مقاطعة من أحد ، فى الشخص الذى فقدناه”.

أصل الآن إلى أروع فقرة (فى رأيى)، وأكثرها إثارة للشجن فى الكتاب بأكمله، حين يروى د.جلال أمين موقفا حدث بينه و بين أبيه، وهو فى مقتبل شبابه، وأبوه فى شيخوخته. ويظهر منه بوضوح إلى إى مدى يحتاج الآباء، عندما تتقدم بهم السن، إلى التواصل مع أبنائهم، هروبا من وحدتهم، و شوقا إلى الحديث فى أى موضوع.

يقول د.جلال أمين: “لازلت أشعر ببعض الألم ووخز الضمير حتى الآن، كلما تذكرت منظر أبى وهو جالس فى الصالة وحده ليلا، فى ضوء خافت، دون أن يبدو مشغولا بشئ على الإطلاق، لا قراءة ولا كتابة، ولا الاستماع إلى راديو، وقد رجعت أنا لتوى من مشاهدة فيلم سينمائى مع بعض الأصدقاء. أحيى أبى فيرد التحية، وأنا متجه بسرعة إلى باب حجرتى وفى نيتى أن أشرع فورا فى النوم، بينما هو يحاول استبقائى بأى عذر هروبا من وحدته، وشوقا إلى الحديث فى أى موضوع. يسألنى أين كنت فأجيبه، وعمن كان معى فأخبره، و عن اسم الفيلم فأذكره، كل هذا بإجابات مختصرة أشد الاختصار وهو يأمل فى عكس هذا بالضبط. فإذا طلب منى أن أحكى له موضوع الفيلم شعرت بضيق، و كأنه يطلب منى القيام بعمل ثقيل، أو كأن وقتى ثمين جدا لا يسمح بأن أعطى أبى بضع دقائق”.

ويحاول الدكتور جلال أمين أن يفسر سبب تصرف الأبناء بهذا الشكل تجاه آبائهم، و عدم تفهمهم أو تقديرهم لهذه الإحتياجات، فيقول: “لا أستطيع حتى الآن أن أفهم هذا التبرم الذى كثيرا ما يشعر  به شاب صغير إزاء أبيه أو أمه، مهما بلغت حاجتهما إليه، بينما يبدى منتهى التسامح وسعة الصدر مع زميل أو صديق له فى مثل سنه مهما كانت سخافته وقلة شأنه. هل هو الخوف المستطير من فقدان الحرية والاستقلال، وتصور أى تعليق أو طلب يصدر من أبيه أو أمه وكأنه محاوله للتدخل فى شئونه الخاصة أو تقييد لحريته؟ لقد لاحظت أحيانا مثل هذا التبرم من أولادى أنا عندما أكون فى موقف مثل موقف أبى الذى وصفته حالا، وإن كنت أحاول أن أتجنب هذا الموقف بقدر الإمكان لما أتذكره من شعورى بالتبرم و التأفف من مطالب أبى. ولكنى كنت أقول لنفسى إذا إضطررت إلى ذلك “إنى لا أرغب فى أكثر من الاطمئنان على ابنى هذا، أو فى أن أعبر له عن اهتمامى بأحواله ومشاعره، فلماذا يعتبر هذا السلوك الذى لا باعث له إلا الحب، و كأنه اعتداء على حريته واستقلاله؟””.

تدوينات ذات صلة

  1. أروع فقرة جاءت فى كتاب "ماذا علمتنى الحياة؟" للدكتور جلال أمين
  2. ملاحظات حول كتاب "مذكراتى فى سجن النساء" للدكتورة نوال السعداوى
  3. لا تكن مثاليا أكثر من اللازم!!

التعليقات



6 تعليق على تدوينة “ملاحظات حول كتاب "ماذا علمتنى الحياة؟" للدكتور جلال أمين”

  1. nevenabdalla

    July 25th, 2011 10:52 am

    سعدت كثيرا بقراءة مقالك ؛ فكرة الكتابة عن السير الذاتية فكرة مفيدة جدا ؛ و لعلها من أهم القراءات على الإطلاق .. شاكرة لك تقديمك لهذا النوع من الكتابات و إن كنت أفكر : كيف يمكنك ككاتب أن يكون لك بصمتك الخاصة في نقل الترجمة .. اظنه سؤال يستحق من محب للسير الذاتية خاصة أن يفكر به .. شاكرة مرة أخرى و يسعدني تواصلك .

  2. احمد عبدالعزيز شعلان

    September 30th, 2011 7:38 am

    استمتعت جدا بعرض قطوف من السيرة الذاتية السابقة وأشد مالفت انتباهى هو ضرورة مراعاة الابناء لمطالب الاباء خاصة عندما يتقدم العمر بهم

  3. Amr Mekkawy

    September 30th, 2011 2:28 pm

    اشكرك كثيرا، واتمنى ان تجد فى المدونة دائما ما يعجبك

  4. Amr Mekkawy

    September 30th, 2011 2:37 pm

    nevenabdalla@ أشكرك كثيرا، ويسعدنى أن المقال قد أعجبك. الحقيقة أن قراءة السير الذاتية هى من أمتع القراءات بالنسبة لى على الإطلاق. وأجدنى دائما أتعلم منها أكثر بكثير من بقية الكتب الآخرى، وخصوصا فيما يتعلق بالنظره العامة إلى الحياة، ووضع الإنسان فيها.

    أما عن البصمة التى يمكن أن يتركها الكاتب عند كتابته عن السيرة الذاتية أو عند عرضه لها، فأعتقد أن ذلك يعتمد فى المقام الأول على مدى تأثره بالسيرة التى يكتب عنها، وكيفية إستقباله لها، والمشاعر والأحاسيس التى تحركت بداخله فى أثناء قراءته لها، والأوتار التى مستها فى نفسه، وهو ما يختلف من شخص لآخر. وأعتقد أن كل شخص يتصدى للكتابة عن سيرة ذاتية، سيكون له بصمة مميزة عليها.

    تحياتى لك، وأشكرك مرة أخرى على إهتمامك بالتعليق.

  5. بو محمد البحراني

    December 24th, 2011 5:18 am

    اخي عمار – السلام عليكم
    نشترك معا في حبنا للسير الذاتية, فاخوك مغرم بهذا النوع من الكتب
    لقد قراءة كتاب جلال امين لثلاث مرات فهوا كتاب ممتع, وكتب باسلوب رائع.
    والان اقراء الجزء الثاني من الكتاب بعنوان “رحيق العمر”
    تحياتي لك ودعائي لك بالتوفيق
    بو محمد الاحساء – السعودية

  6. Amr Mekkawy

    December 24th, 2011 2:44 pm

    أشكرك كثيرا، وأتمنى أن تستمتع بقراءة الجزء الثانى من السيرة الذاتية للدكتور جلال أمين، مثلما استمتعت بقراءة الجزء الأول منها

إترك تعليق






رب هب لى شجاعة لتغيير الأشياء التى أستطيع تغييرها، و سكينة لقبول الأشياء التى لا أستطيع تغييرها، و حكمة لمعرفة الفارق بينهما.
سان فرانسيز